تٌمثل آلام أسفل الظهر واحدة من أعلى المشكلات الصحية شيوعاً بين أرجاء المعمورة، وتأخذ الأرقام فى ارتفاع مطرد منذ تسعينيات القرن الماضى إلى يومنا هذا. تٌشير محركات البحث العالمية على الشبكة العنكبوتية إلى أن آلام أسفل الظهر هى أكثر مشاكل الجهاز العضلى الهيكلى والعظام التى تتصدر محركات البحث دوناً عن غيرها من الأمراض التى تندرج تحت فئة الأمراض العظمية والهيكلية.
آخر التقديرات المٌعلنة بشكل رسمي من منظمة الصحة العالمية تٌشير إلى أن ما يقرب من 619 مليون نسمة حول العالم يعانون من آلام أسفل الظهر، بل إن آلام أسفل الظهر هى السبب الأساسي للإعاقة الحركية سواء الدائمة أو المؤقتة على مستوى العالم منذ عام 1990. وللأسف فإن المؤشرات والدلالات المستقبلية تحمل معها زيادة بمقدار الربع من الرقم الحالى، حيث يحمل العام 2050 توقعاً يصل إلى 843 مليون شخص سيعانون من هذه المشكلة.
يتناول هذا المقال بالتفصيل الأسباب الكامنة لآلام أسفل الظهر والأعراض التى تٌنبأ بضرورة التحرك سريعاً، ومتوالية التشخيص الصحيحة، وطرق وآليات العلاج المختلفة، وكيف نحافظ على روتين صحي فى حياتنا اليومية تجنبا من عودة آلام أسفل الظهر مرة أخرى.
الٌنذر المبكرة لآلام أسفل الظهر
قد يتطلب الأمر حمل حقيبة ثقيلة بطريقة خاطئة لمرة واحدة، أو العمل لساعات طويلة دون نيل قسط كاف من الراحة الجسدية لفترات زمنية معتبرة، أو تجاهل آلام بسيطة متكررة فى الظهر تؤدى إلى تفاقم حالتك. هذا التجاهل البسيط المتكرر سيؤدى فى النهاية إلى انضمامك مع ملايين الأشخاص الذين يٌعانون من هذه المشكلة يومياً وبشكل دائم وربما بصورة أسوأ، إن لم تأخذ أول خطوات العلاج.
وتبدأ وتيرة الإصابة فى ارتفاع حدتها من انزعاج خفيف مستمر أو متقطع إلى حدوث ألم حاد ومفاجئ يشل تماماً عن الحركة وممارسة أنشطتك اليومية بشكل طبيعى.
تشكل آلام أسفل الظهر عائقاً كبيراً أمام ملايين الأشخاص حول العالم يومياً، حيث تؤثر بشدة على القدرة على العمل والمشي أو حتى النوم بشكل طبيعى وكل أنشطتك.
ما المقصود بألم أسفل الظهر؟
هو الألم الواقع بين الحافة السفلية للأضلاع ومنطقة الأرداف، وقد يبقى موضعيًا أو يترافق مع ألم يمتد إلى الساق. تصنفه منظمة الصحة العالمية إلى ألم حاد يستمر أقل من ستة أسابيع، وتحت حاد يستمر من ستة إلى اثني عشر أسبوعًا، ومزمن يتجاوز اثني عشر أسبوعًا. ولا تعني كلمة «مزمن» أن التحسن مستحيل، وإنما تصف مدة استمرار المشكلة.
تفجر آلام أسفل الظهر
يعكس التطور الحضارى والنمط المعيشى لسكان الأرض شيوع ظواهر بعينها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنتجات العصر وطبيعة الحياة التى تفرضها هذه المنتجات والتى تؤثر بالتبعية فى كل مناحى الحياة ومظاهرها على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والصحية. فمنذ صعود تكنولوجيا الحاسوب والطفرة التكنولوجية التى أحدثتها وتشعباتها وتغلغلها التدريجى فى كل شئ عالمياً. هذا إلى جانب تسارع وتيرة التقدم التكنولوجي فى كل شئ، جعل إنسان هذا العصر أقل حركية مما كان عليه الانسان فى العصور السابقة.
لهذا فإن تغير نمط الحياة والعمل الذى صاحب كل هذه الطفرة التكنولوجية، أنتج العديد من الوظائف والظواهر الاجتماعية التى تضمن الجلوس لفترات طويلة ومؤثرة على صحة الانسان أمام النشاط، مع قلة النشاط الحركى، إلى جانب الوضعيات الخاطئة أثناء الجلوس. كذلك الموروثات الخاطئة والممارسات الجاهلة التى تتعلق بممارسات الرياضة على سبيل المثال بطريقة خاطئة، مثل رفع الأثقال وعدم ثني الركبة عند حمل شئ ثقيل فى الحياة اليومية العادية وتحميل الظهر كل الحمل، تتسبب فى إصابات لم يكن لها أى داعٍ من الأساس.
طبيعة المنطقة القطنية العجزية(منطقة آلام أسفل الظهر)
تتكون هذه المنطقة (Lumbosacral Region) من شبكة معقدة من الفقرات العظمية، والمفاصل والأثراض الغضروفية، والأربطة، والعضلات والأعصاب فى نظم معقد من التركيب الهيكلى. وبالتالى فإن أي خلل أو إجهاد يصيب أحداً هذه المكونات يسبب ألمًا تختلف مدته وحدته باختلاف منطقة التضرر والعوامل المؤثرة الأخرى وتوقيت التدخل.
أعراض آلام أسفل الظهر ومتى يدق ناقوس الخطر
تتنوع أعراض ألم أسفل الظهر بناءً على السبب الرئيسى لهذه الإصابة، تنقسم الأعراض من حيث الشدة والخطورة والتدخلات المقترحة إلى قسمين:
أولاً: الأعراض الاعتيادية قليلة ومتوسطة الخطورة والشدة:
- ألم حاد: يزداد مع انحناء الظهر أو الجلوس لفترات طويلة دون أخذ قسط من الراحة وتكون منطقة أسفل الظهر مكان ارتكاز الألم.
- آلام عرق النسا: نتيجة التأثير على العصب الوركي قد يمتد الألم ويتعدى منطقة أسفل الظهر والمنطقة العجزية مروراً إلى الأرداف أسفل الظهر مروراً بالأرداف وقد يصل إلى الساق وفى أكثر الحالات حدة يمتد إلى مشط القدم أيضاً.
- تصلب وتيبس العضلات: صعوبة في بسط وانفراد الظهر بشكل صحيح أو كامل، أو عدم القدرة على الوقوف بشكل مستقيم بعد الاستيقاظ من النوم، أو النهوض بعد الجلوس
- تشنجات عضلية: انقباضات غير إرادية ومؤلمة في عضلات بالمنطقة المحيطة بالفقرات القطنية والعجزية أسفل الظهر.
2- أعراض شديدة الخطور تستدعي التدخل الطبي الفوري (“الرايات الحمراء”):
ينبغي مراجعة الطبيب فوراً أو زيارة الطوارئ في حال تزامن ألم الظهر مع:
- اضطرتبات التبول والإخراج: المتمثلة فى سلس البول والبراز والتبول اللإرادى نتيجة فقدان السيطرة على عضلات المثانة الإرادية أو الأمعاء.
- تنميل وضعف شديد فى كلا الساقين أو إحداهما.
- آلام شديدة وحادة ومتفاقمة فى حالة السقوط من حالق أو مكان مرتفع أو التعرض لحادث سير على سبيل المثال أو سقوط شئ ما على الشخص.
- ارتفاع في درجة الحرارة أو قشعريرة غير مبررة.
- فقدان مفاجئ وغير مبرر فى الوزن.
- تاريخ عائلى ومرضي سابق مع السرطان.
أسباب آلام أسفل الظهر وعوامل الخطر
- الإجهاد العضلى وتمزق الأربطة المصاحب للالتواء المفاجئ للظهر نتيجة حركات غير متوقعة أو ممارسة رياضة بعنف على سبيل المثال أو السقوط وكذلك الإجهاد البدنى المفرط أو حمل أوزان ثقيلة بطريقة خاطئة. تٌمثل الحالات الناتجة عن الإجهاد العضلى نسبة تتجاوز ال 70 %.
- خشونة الفقرات التى تؤدى إلى تآكلها شيئاً فشيئأً نتيجة للاحتكاك المباشر بين العظام وبعضها البعض نتيجة تآكل المفاصل الفقارية وتلين الغضاريف، وهي شائعة أكثر فى كبار السن نتيجة لتقدم العمر وعدم الاهتمام بالحصول على القدر الكافىى من الرعاية الصحية التى يحتاجوها فى هذه المرحلة العمرية.
- ضيق القناة الشوكية
تضيق المساحة المتاحة للحبل الشوكي والأعصاب داخل العمود الفقري، مما يسبب ألمًا وتنميلاً يزداد أثناء المشي والوقوف. - الانزلاق الغضروفى.
حدث عندما تندفع المادة الجيلاتينية الموجودة داخل القرص الغضروفي بين الفقرات إلى الخارج، مما يضغط على الأعصاب المجاورة ويسبب ألمًا شديداً وتنميلاً يمتد إلى الأطراف السفلية.
- هشاشة العظام.
تسبب هشاشة العظام كسوراً انضغاطية في الفقرات، بينما يحدث الانزلاق الفقاري عندما تتحرك فقرة من مكانها لتنزلق فوق الفقرة التي تليهـا.
تشخيص آلام أسفل الظهر
ليس من الضرورة أن تكون البداية بإجراء فحص الرنين المغناطيسي كإجراء أولى لكل الحالات، ففى الحالات البسيطة والمتوسطة قد يتم الاكتفاء بالفحص السريرى، إذ أنه لا حاجة لتعريض المريض لإشعاع غير ضرورى.
لذا فإن هرمية إجراءات التشخيص تكون كالتالى:
- الفحص السريرى ومناقشة التاريخ الطبي والمرضي للحالة.
- الأشعة السينية.
- الرنين المغناطيسي
- التصوير المقطي.
- تخطيط الأعصاب.
طرق وآليات علاج آلام أسفل الظهر
لا توجد خطة علاجية واحدة لآلام أسفل الظهر تصلح لكل الحالات والدرجات نتيجة لاختلاف الأعراض ومدي التضرر والعوامل والأمراض المصاحبة والسبب وراء حدوث المشكلة المرضية. لذا فإن الخطة العلاجية تعتمد على كل ما سبق من عوامل إلى جانب طبيعة الأعراض وتوقيت ظهورها والمدى الزمنية المٌنقضية بين ظهور الأعراض وتوجه المريض إلى الفحص ومدى تأثير الآلام على الحياة اليومية والأنشطة الاعتيادية للشخص وعوامل السن وغيرها من الأمور المرتبطة.
لكن هنالك محاور رئيسية لأى خطة علاجية محتملة تتمثل فيما يلى:
- العلاج التحفظى المنزلى لآلام أسفل الظهر
يتقاسم كل من الطبيب والمريض المسئولية فى هذا المحور العلاجى والذى يٌعد الخطة العلاجية المشتركة بين تدرجات الإصابة المختلفة (على الأقل فى بعض أجزائها)، وهى تمثل خط الدفاع العلاجي الأول والرئيسى فى الحالات بسيطة ومتوسطة الإصابة.
الجزء الواقع على المريض، يتمثل فى:
الحفاظ على مبدأ الراحة النشطة: حيث يوصى الأطباء بتجنب فترات الراحة المبالغ فيها فى السرير لأكثر من 24 إلى 48 ساعة لأنها تضعف العضلات وتفاقم من الإصابة على عكس ما هو متوقع. الراحة مطلوبة نعم، ولكن ليس بهذا الشكل المبالغ فيه وتكون مصحوبة بممارسة بسيطة ومتدرجة غير مجهدة للأنشطة الاعتيادية شيئاً فشيئاً.
الكمادات الباردة والدافئة: بوصى باستخدام الكمادات الباردة خلال أول 48 ساعة للحد من الالتهابات والسيطرة على التورمات، ثم الانتقال بعد ذلك إلى الكمادات الدافئة لتخفيف تشنج العضلات.
الجزء الخاص بالطبيب:
يتمثل فى وصف العلاجات الطبية المساعدة على التعافى والتى يجب أن تكون تحت إشراف الطبيب مثل مرخيات العضلات فى حالات التشنج الحاد، ومضادات الالتهاب غير الستيرودية NSAIDS للسيطرة على الألم المزعجة وتقليل الالتهابات مثل الإيبوبروفين.
- العلاج التأهيلى الطبيعى
هو ركن الأساس فى العلاج النهائى والتخلص من آلام أسفل الظهر، ويتضمن:
- تمارين الإطالة والمرونة
- تمارين تقوية عضلات الجذع
- تمارين تصحيح الوضعيات المختلفة للجسم مثل الجلوس والانحناء ورفع الأشياء والجلوس بطريقة آمنة.
التدخلات الخاصة بالحالات شديدة الخطورة
أولاً التدخلات المتقدمة وإدارة الألم:
- التردد الحرارى والذى يعمل على تعطيل وتثبيط الإشارات العصبية المسئولة عن الألم الصادرة من الأعصاب المفصلية الصغيرة.
- حقن الستيرويد والتى تستهدف الأعصاب الملتهبة والمنضعطة لتقليل الشعور بالآلام والانتفاخات.
ثانياً التدخلات الجراحية:
الخيار الجراحى هو خط الدفاع الأخير ويتم استخدامها فى نسبة لا تتجاوز 10% من الحالات التى لا تستجيب للعلاجات السابقة أو تلك التى تعانى من وجود ضعف عصبى متزايد لا يمكن السيطرة عليه إلا من خلال التدخل الجراحي.
أبرز هذه التدخلات الجراحية تتمثل فى استئصال الجزء المنزلق من الغضروف والضاغط على العصب، أو توسيع القناة الشوكية، أو دمج ووصل الفقرات.
ختاماً
خلٌصت منظمة الصحة العالمية بمجموعة من التوصيات التى تتعلق بالوقاية من آلام أسفل الظهر فى مجموعة من الأمور التى يتعين على الأفراد القيام بها. تتمثل فى الحفاظ على نشاط بدني جيد بشكل يومي، المشي بمتوسط عشرين إلى ثلاثين دقيقة يومياً، المحافظة على وزن صحي لتجنب الضغط على العظام ومنطقة الظهر والقدمين.
كذلك الحصول على قسط كافِ من النوم لا يقل عن 6 إلى 8 ساعات بشكل متصل والنوم الجيد، والحلوس فى وضعيات صحيحة أثناء العمل، وإذا كان عملك يعتمد على قضاء ساعات طويلة من العمل المكتبي قم بالتمشية كل 45 إلى 60 دقيقة.
المصادر
1-منظمة الصحة العالمية: ألم أسفل الظهر — بيانات الانتشار والتعريف وعوامل الخطورة والرعاية الذاتية، 2023.
2-الخدمات الصحية البريطانية NHS: ألم الظهر — الأعراض والرعاية المنزلية ومؤشرات مراجعة الطبيب.
3-الخدمات الصحية البريطانية NHS: عرق النسا — الأعراض والعلامات الطارئة والمسار المتوقع.
4-المعهد الأمريكي NIAMS: تشخيص ألم الظهر وعلاجه والتعامل معه.
5-منظمة الصحة العالمية: إرشادات ألم أسفل الظهر المزمن — صدرت في ديسمبر 2023 وتخص الألم المزمن الأولي لدى البالغين.
6-NICE NG59: توصيات ألم أسفل الظهر وعرق النسا.
